نظرة الإسلام للمال، وكيف راعي الإسلام حق الجماعة في المال؟

عالج الإسلام قضية المال معالجة حكيمة حيث أعطى الإسلام للإنسان الحرية في جمع المال لكنه في نفس الوقت أمره ألا يجمع المال إلا من حلال.

المال مال الله

بين الإسلام لأتباعه أن المال في حقيقة أمره إنما هو مال الله، فلو لم يكن المال مال الله لما وصل من غيرك إليك، وما وصل منك إلى غيرك.

فكان من حكمة الله أن يفقر أقواما ويغني آخرين، ويجعل الدوائر تدور فيجعل الله غني اليوم فقير الغد، وفقير الأمس غني اليوم.

قال الله تعالى وهو يؤكد تلك الحقيقة: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ)

الإنسان مستخلف على المال

حقيقة الإنسان على المال أنه خليفة فيه، فلن يخلد الإنسان مع ماله في الدنيا، وإنما حتما سيأتي عليه يوم يفارق فيه هذا المال الذي جمعه، قال الله: (وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ‌ٱلۡخَٰلِدُونَ).

وحتما سيلقى الإنسان ربه وحده بلا مال ولا ولد، قال الله: (كلا سَنَكۡتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلۡعَذَابِ مَدّٗا وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأۡتِينَا ‌فَرۡدٗا).

وقال الله: (لَّقَدۡ أَحۡصَىٰهُمۡ وَعَدَّهُمۡ عَدّٗا وَكُلُّهُمۡ ءَاتِيهِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ ‌فَرۡدًا)

لذلك أكد الله على حقيقة أن الإنسان مستخلف في هذا المال فقال: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ).

المال وسيلة وليس غاية

ينبغي على كل مسلم أن يعلم أن هذا المال ليس هو الغاية التي نسعى إليها إنما لنا غاية أخرى هي عبادة الله، والفوز برضوانه في الآخرة، فهذا المال هو وسيلة لنعيش عفة وطهارة هذه الدنيا؛ لننال سعادة الآخرة.

المال المذموم في القرآن

المال الذي يكتسبه الإنسان من حرام ذكره الله مذموما في القرآن، قال الله: (وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ ‌إِلَى ‌ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ).

والمال الذي يلهي الإنسان عن طاعة الله والعمل لآخرته هو المال المذموم في القرآن، قال الله: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ‌لَا ‌تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ).

المال الممدوح في القرآن

لكن المال الذي يكتسبه الإنسان من مصدر طيب، وينفقه في مصادر طيبة يبتغي بها وجه الله فهذا هو المال الممدوح في القرآن الذي يحقق به الإنسان عفة الدنيا وسعادة الآخرة.

فهذا المال الطيب سماه الله في القرآن خيرا، فقال الله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ).

وقال الله: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ). فالمراد بالخير في الآيتين هو المال.

نعم المال الصالح للرجل الصالح

لقد مدح النبي -صلى الله عليه وسلم-  المال الذي يكتسبه صاحبه من حلال وينفقه في عمل صالح يبتغي به وجه الله.

عن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قال: بعث إليَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- فأمرني أن آخذ علي ثيابي وسلاحي، ثم آتيه، ففعلت فأتيته وهو يتوضأ، فصعد إلي البصر ثم طأطأ، ثم قال:

(يا عمرو، إني أريد أن أبعثك على جيش فيغنمك الله، وأرغب لك رغبة من المال صالحة)

قلت: إني لم أسلم رغبة في المال، إنما أسلمت رغبة في الإسلام فأكون مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (يا عمرو، نعم ‌المال ‌الصالح للمرء الصالح)الأدب المفرد

حق الجماعة في المال

أعطى الإسلام للإنسان حرية الملكية الفردية لكنه مع ذلك أوجب على الإنسان حقوقا تجاه الجماعة الذين يعيش معهم، فحرم عليه أن يربح المال على حساب الإضرار بالآخرين.

فحرم الإسلام على التاجر أن يقوم باحتكار السلع بأن يحبس أقوات الناس التي يحتاجون إليها من أجل أن يزيد في أرباحه، ووصف النبي -صلى الله عليه وسلم- من يفعل ذلك بأنه مخطئ فقال: (‌لا ‌يحتكر ‌إلا خاطئ)مسلم

وهذا الوصف ليس وصفا سهلا إنما هو وصف شديد قد وصف الله الفراعنة من الطغاة بهذا الوصف فقال: (إِنَّ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا ‌كَانُواْ ‌خَٰطِـِٔينَ).

حرمة بخس ثمن السلع

العلاقة بين البائع والمشتري علاقة متضادة فالبائع يريد المغالاة في ثمن السلعة طلبا للربح، والمشتري يريد المغالاة في بخس ثمن السلعة.

فأمر الإسلام ألا يستغل المشتري البائع بأن يبخس ثمن سلعته ويقول البائع في حاجة للمال وسيقبل بأي ثمن، فالله تعالى قال: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ).

فإذا طغى الجانب المادي في الإنسان يأمره بأن ينتهز الفرصة فالحياة فرص، فإن داعية الإيمان في الإنسان تقول له: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).

حرمة تنمية المال بما يضر الجماعة

ليس معنى أن الإسلام أعطى للإنسان حرية جمع المال وحرية الملكية الفردية للمال أن يحاول أن يربح هذا المال على حساب الإضرار بالآخرين.

فكل سلعة يكون فيها ربح للتاجر وإفساد للجماعة فإن الإسلام يحرمها، فإذا كان هذا الإفساد للدين بنشر الكفر والإلحاد فإن الإسلام يحرم هذه التجارة ويجعل هذا الربح خبيثا.

وحرم الإسلام أن يربح المال من خلال ما يفسد به عقول وأبدان الناس كتجارة الخمور والمحدرات.

ورحم الإسلام الربح من التجارة التي يكون فيها إضرار للأمة كبيع السلام للعدو.

حوار نبي الله شعيب مع قومه

لقد سجل القرآن الكريم حورا دار بين نبي الله شعيب وقومه يأمرهم بالإيمان وأن يترجموا هذا الإيمان بتطبيقه على الجانب الاقتصادي في حياتهم فقال الله:

(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ

وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ

بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ

قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)

لقد تعجب قوم شعيب لما أمرهم بأن ينظموا الجانب الاقتصادي في حياتهم بما يتوافق مع الجانب الإيماني الذي يحملونه في قلوبهم، وهو أن يراعوا حق الله وحق الجماعة وحق الفقراء.

فمراقبة الله في الجانب الاقتصادي إنما هو ترجمة عملية للإيمان، ولا يمكن أن ينصلح الجانب الاقتصادي إلا في ضوء الفكر القرآني.

إن القرآن يعالج لنا مشاكل اليوم التي نواجهها بأخبار الأمس التي قابلها أناس آخرون من خلال القصة القرآنية.

Lorem Ipsum